الشيخ عبد الله الصالحي النجف آبادي
117
موسوعة مكاتيب الأئمة
أُشاحه في ثمنها حتّى استقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي ( عليه السلام ) ، من الدنانير في الشستقة الصفراء ( 1 ) ، فاستوفاه منّي ، وتسلّمت منه الجارية ، ضاحكة مستبشرة ، وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد ، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولاها من جيبها ، وهي تلثمه ، وتضعه على خدّها ، وتطبّقه على جفنها ، وتمسحه على بدنها . فقلت تعجّباً منها : أتلثمين كتاباً ، ولا تعرفين صاحبه ؟ قالت : أيّها العاجز ! الضعيف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبياء ، أعرني سمعك وفرّغ لي قلبك ، أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم ، وأمّي من ولد الحواريّين تنسب إلى وصي المسيح شمعون ، أنبّئك العجب العجيب : إنّ جدّي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاثة عشرة سنة ، فجمع في قصره من نسل الحواريّين ومن القسّيسين والرهبان ثلاثمائة رجل ، ومن ذوي الأخطار سبعمائة رجل ، وجمع من أمراء الأجناد وقوّاد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف ، وأبرز من بهو ملكه عرشاً مسوّغاً من أصناف الجواهر إلى صحن القصر ، فرفعه فوق أربعين مرقاة ، فلمّا صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكفاً ، ونشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلبان من الأعالي ، فلصقت بالأرض وتقوضت الأعمدة ، فانهارت إلى القرار وخرّ الصاعد من العرش مغشيّاً عليه . فتغيّرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم ، فقال كبيرهم لجدّي : أيّها الملك ! أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني ، فتطيّر جدّي من ذلك تطيّراً شديداً وقال للأساقفة : أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان وأحضروا أخا هذا المدبّر العاثر المنكوس جدّه لأزوّج منه هذه الصبيّة ، فيدفع نحوسه عنكم بسعوده . فلمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأوّل ، وتفرّق الناس وقام جدّي قيصر مغتمّاً ودخل قصره وأرخيت الستور ، فأريت في تلك الليلة كأنّ المسيح والشمعون وعدّة من الحواريّين قد اجتمعوا في قصر جدّي ، ونصبوا فيه منبراً يباري السماء علوّاً وارتفاعاً في الموضع الذي كان جدّي نصب فيه عرشه ، فدخل عليهم محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع فتية وعدّة من بنيه ،
--> 1 - في دلائل الإمامة : في السبيكة الصفراء ، وفي روضة الواعظين : في الشقّة الصفراء .